الخطيب الشربيني
734
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الاسم الأعظم بقوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ على ما احتوت عليه بما يعجز الوصف من العبر وَالْأَرْضَ على ما اشتملت عليه من الآيات المدركة بالعيان والخبر وَلَمْ يَعْيَ أي : ولم يتعب ولم يعجز بِخَلْقِهِنَّ أي : بسبب من الأسباب . فإنه لو حصل له شيء من ذلك أدّى إلى نقصان فيهما ، أو في إحداهما . وأكد الإنكار المتضمن للنفي بزيادة الجارّ في خبر أنّ فقال : بِقادِرٍ أي : قدرة عظيمة عَلى أَنْ يُحْيِيَ أي : على سبيل التجديد مستمرّا الْمَوْتى والأمر فيهم لكونه إعادة وكونه جزء يسيرا مما ذكر ، اختراعه أصغر شأنا وأسهل صنعا وأجاب بقوله تعالى بَلى لأنّ هذا الاستفهام الإنكاري في معنى النفي . أي : قد علموا أنه قادر على ذلك علما هو في إيقانه كالبصر لأنهم يعلمون أنه المخترع لذلك ، وأن الإعادة أهون من الابتداء في مجاري عاداتهم ، ولكنهم عن ذلك غافلون لأنهم عنه معرضون . وقوله تعالى : إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تقرير للقدرة على وجه عام يكون كالبرهان على المقصود . كأنه لما صدر السورة بتحقيق المبدأ أراد ختمها بإثبات المعاد . ولما أثبت البعث بما أقام من الدلائل ، ذكر بعض ما يحصل في يومه من الأهوال . بقوله تعالى : وَيَوْمَ أي : واذكر يوم يُعْرَضُ أي : بأيسر أمر من أوامرنا الَّذِينَ كَفَرُوا أي : ستروا بغفلتهم وتماديهم الأدلة الظاهرة عَلَى النَّارِ عرض الجند على الملك ، فيسمعون من تغيظها وزفيرها ما لو قدّر أن أحدا يموت في ذلك اليوم لماتوا من معاينته ، وهائل رؤيته ثم يقال لهم أَ لَيْسَ هذا أي : الأمر الذي كنتم به توعدون ، ولرسلنا في إخبارهم به تكذبون بِالْحَقِّ أي : الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع ، أم هو خيال وسحر قالُوا أي : مصدّقين حيث لا ينفعهم التصديق بَلى وما كفاهم البدار إلى تكذيب أنفسهم حتى أقسموا عليه بقولهم : وَرَبِّنا أي إنه لحق هو أثبت الأشياء ، وليس فيه شيء مما يقارب السحر . تنبيه : المقصود من هذا الاستفهام التحكم والتوبيخ على استهزائهم بوعد الله تعالى ووعيده . قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ أي : باشروه مباشرة الذائق باللسان . ومعنى الأمر ؛ الإهانة بهم والتوبيخ لهم ثم صرّح بالسبب فقال تعالى : بِما كُنْتُمْ أي : خلقا مستمرّا تَكْفُرُونَ في دار العمل . ولما قرّر تعالى المطالب الثلاثة ؛ وهي التوحيد ، والنبوّة ، والمعاد . وأجاب عن الشبهات أردفه بما يجري مجرى الوعظ والنصيحة لنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وذلك لأنّ الكفار كانوا يؤذونه ويوحشون صدره . فقال تعالى : فَاصْبِرْ أي : على مشاق ما ترى في تبليغ الرسالة ، وعلى أذى قومك قال القشيري : الصبر ، هو الوثوق بحكم الله تعالى والثبات من غير بث ولا استكراه كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ أي : الثبات والجدّ في الأمور . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : أولو الحزم وقوله تعالى : مِنَ الرُّسُلِ يجوز فيه أن تكون مِنَ تبعيضية وعلى هذا فالرسل : أولو عزم وغير أولي عزم ويجوز أن تكون للبيان ، وعليه جرى الجلال المحلي فكلهم على هذا أولو عزم . قال ابن زيد كل الرسل كانوا أولي عزم وحزم ورأي وكمال عقل ، وإنما أدخلت من للتجنيس لا للتبعيض كما يقال : اشتريت أكسية من الخز وأردية من البز . وقال بعضهم : الأنبياء كلهم أولو العزم إلا يونس لعلة كانت فيه . ألا ترى أنه قيل لنبينا صلّى اللّه عليه وسلم وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ [ القلم : 48 ] وقال قوم : هم نجباء الرسل ، وهم المذكورون في سورة الأنعام وهم ثمانية عشر لقوله تعالى بعد ذكرهم أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] وقال الكلبيّ هم الذين أمروا بالجهاد ، وأظهروا المكاشفة مع أعداء الله تعالى وقيل : هم ستة ؛ نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى .